اخبار عامه

خواطر اليوم الخامس كتب: سراج الدين مصطفى

خواطر اليوم الخامس
كتب: سراج الدين مصطفى

(١)
قدمت الفنانة هدي عربي عبر برنامج اغاني واغاني اغنية مدني بروح مفعمة بالسلطنة والجمال مؤكدة حالة النضج التي بلغتها في تجربتها الغنائية حيث لم تعد مجرد مؤدية للنص بل صارت تعايش تفاصيله الوجدانية وتغوص في طبقاته الشعورية بذكاء واحساس عال وقد انعكس ذلك في قدرتها على تقديم الاغنية بسلاسة وتدفق منحها حضورا مختلفا يبتعد عن الاستنساخ ويقترب من اعادة الاكتشاف
اللحن الذي قدمته هدي عربي اتسم بالرشاقة والدائرية المستساغة مع ايقاع حيوي منح الاغنية طاقة متجددة وجعلها قريبة من المتلقي دون ان تفقد اصالتها وقد بدا واضحا اجتهادها في ابعاد النسخة الراسخة في الذاكرة التي صاغها محمد الامين حيث حاولت خلق مساحة شعورية خاصة بها تنطلق من الاحساس المباشر بالكلمة ومن التفاعل اللحظي مع البناء اللحني وهو اجتهاد يحسب لها ويؤكد وعيها باهمية امتلاك النص لا مجرد ادائه
غير ان المقارنة تكشف الفارق في منهج التلحين لدى محمد الامين الذي تعامل مع نص الشاعر خليل فرح بوصفه فضاء للتأمل العميق واستطاع بذكائه اللحني ان يحول كلمة واحدة هي (اه) الى محور بنائي لموتيفة لحنية كاملة حيث استلهم روح التراث وملامح اغنية عزة في هواك ليصوغ حالة وجدانية مركبة تعكس الشجن والحزن والحنين وقد تجلى ذلك منذ صولو العود الذي جاء كثيفا ومشحونا بالشجن وصولا الى توظيف الاهات كتعبير لحني متماسك يكشف وحدة التفكير الموسيقي
وتبرز عبقرية محمد الامين ايضا في قدرته الدائمة على استلهام التراث وتطويعه داخل مشروعه اللحني كما في اغنيات مراكب الشوق وحروف اسمك حيث يمزج بين الاصالة والتجديد في صياغة تجعل اللحن امتدادا للوجدان السوداني وتلك مجرد لمحة من عبقرية اسطورية شكلت ملامح الذاكرة الغنائية واثرت في اجيال من الفنانين الذين ساروا على خطاه بحثا عن الجمال والصدق الفني.
(٢)
اعجب كثيرا بالتكوين الشخصي للشاعرة نضال حسن الحاج فهي نموذج للمراة الطموحة التي لم تتوقف عند محطة واحدة في حياتها بل واصلت سعيها نحو تحقيق احلامها حيث عادت الي مقاعد الدراسة بعد الزواج لتتخرج طبيبة وهذا انجاز يحسب لها ويعكس قوة الارادة والاصرار كما انها شاعرة مجيدة تركت بصمة واضحة من خلال قصيدة انا بكرهك التي وجدت انتشارا واسعا بين الجمهور وابرزت قدرتها علي التعبير بصدق واحساس عال
كما خاضت تجربة الكتابة الصحفية عبر العمود اليومي ثم اتجهت الي التقديم البرامجي حيث شكلت ثنائية لافتة مع الشاعر البشري ابراهيم وفي هذا الشهر الكريم تقدم برنامج الروح بالروح علي شاشة التلفزيون القومي السوداني وهي تجربة تحمل فكرة مختلفة تم الاعداد لها بعناية رفقة الصحفية المبدعة هناء ابراهيم التي تمثل نموذجا للصحفي الخلاق
ورغم جمال الفكرة الا ان تنفيذ البرنامج خارج السودان وتحديدا في القاهرة اثر علي واقعيته وجعل الاختيارات تعتمد علي الضيوف المتاحين اكثر من انسجام مفهوم الروح بالروح ويبرز ذلك في حلقة هيثم كابو وجمال فرفور التي لا تعكس الفكرة بصورة كاملة ومع ذلك تبقي التجربة مميزة وقابلة للتطور اذا نفذت بقدر اكبر من الواقعية والاقتراب من المجتمع السوداني.
(٣)
فى فضاء الاغنية السودانية تتجلى لغة عالية الخصوصية تجمع بين الرهافة الشعرية والخيال الباذخ وتمنح المستمع حالة وجدانية متفردة غير ان هذا الجمال لا يمنع ظهور بعض الملاحظات التي يمكن وصفها باخطاء فنية او لغوية او دلالية تستحق النقاش والتأمل ومن هذه النماذج قصيدة همس الشوق التي تغنى بها الفنان محمد الأمين في نسختها الاولى حيث قام بسحب مقطع:
(وطهرك تاج جواهر العزة وانتي العزة ليك تركع)
وقد برر ذلك بان مفردة العزة ترتبط بالله ولا يجوز اسنادها او الانحناء بها لغيره وهو تبرير يعكس طبيعة التدين السوداني الحذر تجاه المفردات ذات البعد العقدي ويؤكد حساسية الفنان تجاه التلقي الديني والاجتماعي للنص الغنائي
ومن زاوية اخرى تظهر ملاحظة مختلفة في اغنية انا امدرمان للشاعر عبدالله محمد زين حيث ورد تعبير وكنت القوة والحولة:
أنا أم درمان دا ميلادي و تيلادي البشيل إسمي
أنــا القـدمت أولادي شرافة و سيف على و سمى
(و كـنت القوة و الحولة) و حزت و فُزت بالجولة
و شلت الراية و الدولة و في التاريخ بقـيت عنوان
وهو تركيب قد يبدو متعارضا مع العبارة الدينية المعروفة (لا حول ولا قوة الا بالله) وربما جاء هذا الاستخدام بعفوية شعرية او بدافع الحماس الوطني داخل النص غير ان حضور المرجعية الدينية لدى المتلقي يجعل مثل هذه العبارات محل توقف وتأمل خاصة عندما تتقاطع اللغة الشعرية مع الحس العقدي في الوجدان العام
كما يمكن رصد ملاحظة لغوية في اغنية وطنية تغنى بها الفنان علي ابراهيم اللحو حيث ورد تعبير:
( ليهو واهب دمي وروحي دون ترديد) ويبدو ان المقصود دون تردد غير ان القافية الشعرية ربما قادت الشاعر الى هذا الاستخدام الذي يبتعد عن الدقة اللغوية رغم سلامة المعنى العام داخل السياق الوطني الحماسي
هذه النماذج ليست احكاما قاطعة بقدر ما هي وقفات نقدية عابرة تسعى لفتح باب الحوار حول علاقة الشعر الغنائي بالدين واللغة ومدى تأثير العفوية الفنية على سلامة النص وتبقى مثل هذه الملاحظات دعوة للباحثين والمهتمين بالاغنية السودانية لمزيد من القراءة والتحليل بما يعزز جمال التجربة ويحافظ على عمقها الدلالي واللغوي.
‏(٤)
حينما أتأمل مجمل ما كتبه الشاعر الراحل سيف الدين الدسوقى ارى فيه تجلى القدرة الربانية فالرجل لم يخلق الا ليكون شاعرا ولأجل هذه المهمة وحدها طوعت له الحروف والكلمات وجعلها بين يديه طيعة كدمية صغيرة يتشكل بها كيف يشاء دون عناء او افتعال لقد كتب من القلب مباشرة ووصل الى القلوب بذات العفوية والصدق فكانت تجربته مختلفة ومتفردة لا تشبه سواها
ما يميز سيف الدسوقى هو قدرته العالية على استخراج الشعر من اليومي والبسيط والعادي كلمات نسمعها فى حياتنا اليومية لكنه كان يعيد صياغتها بروح جديدة ويمنحها دهشة غير متوقعة فتصبح محملة بدلالات عميقة ومعان انسانية شفيفة دون تعقيد او ادعاء وهذا سر خلوده فى الذاكرة الوجدانية
ولا اريد هنا التوقف عند التجربة كاملة فهى تجربة واسعة تحتاج الى قراءات متعددة ووقفات طويلة فاغنياته معروفة ومتداولة ومحفوظة فى وجدان الناس ولكننى ارغب فى التوقف عند واحدة من اغنياته المنسية التى لم تنل حظها من الانتشار وهى اغنية موجة تلك الاغنية التى لا تقل جودة وعمقا عن اشهر اعماله
فى موجة مارس سيف الدسوقى ذات لعبته المحببة اللغة البسيطة والمضامين المتحركة والتعابير التى تفتح مساحات واسعة للتأمل وجاء اللحن ليكمل هذا الجمال حيث ابدع الموسيقار الراحل بشير فى تصوير المعانى موسيقيا فكانت الجملة اللحنية تسير بذات روح النص وتترجمه احساسا ونبضا
ثم اكتمل هذا الثالوث بصوت البلابل وهن كالعادة فى قمة الروعة والصدق الادائى حيث قدمن الاغنية بتجسيد مبهر منحها حياة اضافية ورسخها كعمل متكامل الاركان اغنية موجة تستحق التوقف عندها واعادة الاستماع اليها بعين جديدة واذن واعية لانها عمل جميل لا يجوز ان يظل فى دائرة التجاهل والنسيان‏ .
‏(سراج الدين مصطفى)

أغاني أمثال سودانية

"أجمل الأمثال والأغاني السودانية" هي منصة إعلامية سودانية متخصصة، تجمع بين روائع التراث الشعبي من أمثال سودانية أصيلة، وأجمل الأغنيات التي شكّلت وجدان الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى