خواطر اليوم ال ١٥ كتب: سراج الدين مصطفى

خواطر اليوم ال ١٥
كتب: سراج الدين مصطفى
(١)
برنامج اغانى واغانى بما يملكه من قاعدة جماهيرية واسعة ونسب مشاهدة عالية تحول الى منصة حقيقية لاكتشاف الاصوات واعادة تقديمها للجمهور بصورة مختلفة فهو لا يكتفى باستحضار الذاكرة الغنائية بل يمنح الفرصة لطاقات شابة كى تثبت حضورها وتعلن عن نفسها بقوة امام المشاهد السودانى الذى ينتظر كل موسم بشغف كبير
واعتقد ان البرنامج قدم للشعب السودانى صوتين مميزين هما احمد محمد احمد عوض والفنان الدكتور محمد دفع الله فقد ظهرا بثقة واضحة وامكانات صوتية عالية واداء صادق يميل الى اللون الشعبى واغنية امدرمان المعروفة ببساطتها وعذوبتها وهى منطقة غنائية تحتاج الى احساس مرهف قبل القوة الصوتية
هذان الشابان يمكن ان يشكلا بعثا جديدا لاغنية الحقيبة اذا احسنا اختيار النصوص والالحان واشتغلا على تطوير تجربتهما بروح معاصرة تحافظ على الاصالة وتعبر عن روح هذا الجيل واعول عليهما كثيرا فى الارتقاء بالفن الشعبى وتقديمه بشكل جديد يليق بتاريخ الاغنية السودانية ويحفظ جمالها القديم بروح متجددة.
(٢)
سأظل اعيد واكرر الحديث عن الفنان عثمان حسين الذى توقف عن الغناء قبل وفاته بتسعة عشر عاما وهى فترة طويلة بكل المقاييس لكنها كانت موقفا واعيا يشرح معنى احترام الفنان لنفسه ولتاريخه ولجمهوره فقد شعر ان صوته لم يعد بذات الطلاوة والحلاوة التى عرفه بها الناس فاختار الصمت النبيل على الاستمرار الذى قد يشوه الصورة المضيئة فى الذاكرة
هذا الموقف ظل درسا عمليا فى كيفية صون التجربة الفنية وعدم الاتكاء على امجاد الماضى وقد ذكرت ذلك من قبل للفنان مصطفى السني لكن النصيحة لم تجد اذنا صاغية حتى فرض الزمن منطقه القاسى وترك اثرا من الحسرة وكان يمكن تفادى ذلك بقليل من المراجعة والشجاعة
ومن باب المحبة اكرر التذكير للفنان ياسر تمتام بان يراجع وضعيته الصوتية الراهنة وان ينظر بعين ناقدة لتجربته والا يركن الى عبارات الاشادة الجاهزة التى يرددها مصعب الصاوي فالمجاملات لا تصنع تاريخا والصدق مع النفس هو الطريق الوحيد لحفظ المكانة والهيبة فى قلوب الناس
(٣)
التقييم السياسى فى احيان كثيرة يغبش الرؤية ويجعل الاحكام غير منصفة وتفتقد للموضوعية فعندنا فى السودان يتحول الاختلاف السياسى الى حالة نسف كامل للاخر مع ان الديمقراطية الحقيقية تقوم على احترام التعدد وقبول الراى المخالف دون مصادرة او اقصاء فالخلاف لا يعنى الغاء القيمة ولا انكار العطاء
وهنا يستحضرنى الاستاذ حسين خوجلي الذى يراه البعض فقط من زاوية لونه السياسى وانتمائه الفكرى متناسين زوايا اخرى فى شخصيته تستحق التقدير فهو كصحفى اسس تجربة واضحة المعالم واصبح مدرسة لها تلاميذ كما ان صحيفته صحيفة ألوان شكلت حضورا مميزا باسلوبها وخطها التحريرى المختلف
حسين خوجلى ايضا مثقف رفيع ومتحدث لبق يفهم فى الثقافة والفنون ويمتلك حضورا لافتا كمقدم برامج حيث يتميز بجاذبية خاصة وجودة فى الطرح والمنتج التلفزيونى وبرامج عديدة فى المكتبة تشهد له بالبراعة شخصيا انظر اليه بعيدا عن نافذة السياسة وارى جماليات تكوينه المتعددة لان التقييم العادل يقتضى رؤية الصورة كاملة لا جزءا منها
(٤)
يمكن أن أقول بشكل حازم وحاسم أن عصام محمد نور تجربة تكاملت اشراطها وأصبحت من العلامات المضيئة فى الغناء السودانى وله عدد وافر من الأغنيات انداحت بين الناس ووجدت القبول والتفاعل الكبير مما يجعله يصل إلى مصاف الفنان المفضل لدى الكثيرين وهو موقع يصعب الوصول إليه بسهولة ما لم تكن التجربة تحمل خواص كيمائية خاصة تعينها على البقاء والانتشار
ما يثيرنى فى عصام أكثر هو احترافيته العالية فى تقديم اغانى الغير فهو لا يتعامل معها بروح المؤدى العابر بل بعين الفنان الذى يدرك قيمة النص واللحن معا فيحافظ على الرواية الاصل ويضيف لمساته الخاصة دون أن يخل بالبناء الاساسى للعمل كما حدث مع أغنية افتقدتك رائعة الهادي الجبل فى برنامج يلا نغنى و التى قدمها عصام ببراعة عالية وفيها قدر كبير من التطريب والسيطرة على التفاصيل الصوتية
يمتاز عصام محمد نور بذكاء فنى واضح فى اختيار اعماله كما يمتلك مساحة صوتية مرنة تساعده على الانتقال بين المقامات بسلاسة مما يمنح المستمع احساسا بالاطمئنان والاندماج وهذه القدرة على المزاوجة بين الاصالة وروح العصر جعلت تجربته اكثر رسوخا فى الوجدان وجعلته رقما مهما فى خارطة الغناء السودانى المعاصر.
(سراج الدين مصطفى)



