خواطر اليوم الثامن قراءة هادئة لنجوم البرامج الغنائية (٢)

خواطر اليوم الثامن
قراءة هادئة لنجوم البرامج الغنائية (٢)
(١)
يعد الفنان احمد فتح الله الشهير بالبندول واحدا من الاصوات التي استطاعت ان تجد طريقها سريعا الى قلوب شريحة الاطفال وهي ميزة نادرة لا تتحقق بسهولة لان الطفل يمتلك حساسية عالية تجاه الصدق الفني ولا يتفاعل الا مع الاداء العفوي الذي يخلو من التكلف وقد شكلت اغنية (سكر بعشرق في الحلق) التي كتب نصها ولحنها المبدع هيثم عباس نقطة تحول مهمة في مسيرته حيث انتشرت وسط الصغار بصورة لافتة واصبحت تردد في المنازل والمدارس وهذا الانتشار يمنحه مؤشرا ايجابيا يؤكد قدرته على صناعة حالة جماهيرية مبكرة وبالمقابل عرف البندول بروح مشاكسة وتصريحات حادة يمكن تفسيرها باندفاع البدايات وحماس الشباب وهي مرحلة طبيعية في تجارب كثير من الفنانين غير ان المرحلة الحالية تطرح سؤالا جوهريا يتعلق بما بعد النضج الادائي الذي بدا واضحا في تماسك صوته وتحسن قدرته على التعبير والاحساس العالي داخل الجملة اللحنية ورغم هذا التطور تظل مشكلة فقر السجل الغنائي واحدة من ابرز التحديات اذ لا تزال اغنية البدايات هي الاكثر حضورا في ذاكرة الجمهور كما يواجه اشكالا اخر يتمثل في ضعف اختيار الاعمال التي تناسب خامة صوته فالقضية ليست في جمال الاغنية وحدها بل في مدى انسجامها مع طبيعة الصوت وقدرته على ايصالها بخصوصية تميزه بين الاصوات الشابة وتمنحه الاستمرارية والانتشار الحقيقي بين الناس.
(٢)
اعتبر نفسي شاهد عصر على تجربة الفنانة والمهندسة انصاف فتحي حيث كنت قريبا جدا من ملامح بدايتها الفنية حين كانت تتردد على دار الخرطوم جنوب للغناء والموسيقى وهناك تشكل وعيها الاول وتفتحت موهبتها تحت رعاية الاستاذ الفنان عمر كوستي الذي آمن بصوتها مبكرا وقدم لها اغنية (سرك في بير) من كلمات الشاعر علي الطاهر الصديق لتعلن عن ميلاد صوت نسائي مختلف يمتلك القدرة على ملء الفراغ في الساحة الفنية النسائية وقد ظهرت منذ تلك اللحظات بملامح فنانة مثقفة مجتهدة تحمل مشروعها بوعي واضح وجاء بروزها اللافت عبر اغاني واغاني كتطور طبيعي لمسيرة مبنية على الاجتهاد والمعرفة ومن ابرز ما يميز انصاف فتحي قدرتها الكبيرة على التنقل بين الانماط الموسيقية السودانية المختلفة والتطويع الذكي للايقاعات بما يخدم شخصيتها الصوتية ويمنحها مساحة واسعة للتجريب والدهشة غير ان الملاحظة التي يمكن التوقف عندها تتمثل في كثافة الانتاج الغنائي بصورة متلاحقة حرمت بعض الاعمال من فرصة التلقي المتأمل لذلك فان منح الاغنيات مساحة زمنية للانتشار وممارسة الالحاح السماعي سيجعل اعمالها اكثر رسوخا وانتشارا كما ان قدرتها على انتقاء النصوص والالحان المناسبة تظل واحدة من اهم نقاط قوتها الفنية.
(٣)
شخصيا انا على قناعة تامة ان تجربة مامون سوار الدهب تبدو اقرب الى نسخة غير مكتملة من تجربة الفنان الشاب سعد او كأنها ذات الفكرة ولكن باصدار مختلف يفتقد التطوير والخصوصية ذلك ان مامون سوار الدهب لم يقدم حتى الان مشروعا غنائيا واضح المعالم يمكن ان يشكل هويته الفنية ورغم الصيت الذي تحقق حوله في فترة زمنية قصيرة الا ان سجله الغنائي ما يزال فقيرا من حيث الاعمال الخاصة التي ترسخت في وجدان الناس حيث ظل حضوره مرتبطا بترديد اغنيات الاخرين اكثر من تقديم مادة تعبر عنه وهذا الامر وضعه في خانة المقلد الذي لم ينجح بعد في صناعة بصمته الخاصة كما ان عدم اكتشافه لمساحات صوته الحقيقية التي تميل للغناء الشعبي البسيط والدائري جعله يخوض تجارب لا تشبه قدراته مثل تناوله اغنية الشجن الاليم للفنان مصطفى سيد أحمد وهي تجربة لم تحقق النجاح المطلوب لابتعادها عن طبيعة صوته لذلك يبدو مامون في حاجة ماسة الى جلسات جادة مع مختصين في الموسيقى وعلم الصوت حتى يتمكن من فهم امكاناته بصورة ادق ومن ثم اختيار مسار فني واضح يساعده على تقديم اعمال تعبر عنه وتمنحه فرصة حقيقية للانتشار والرسوخ بين الجمهور.
(٤)
بغير صوته المميز وشخصيته الفنية المثيرة للجدل يظل حضور الفنان طه سليمان قائما في المشهد الفني رغم غيابه عن برامج رمضان لهذا العام والاعوام السابقة فهو يدرك جيدا كيف يحافظ على موقعه في صدارة الاهتمام بعكس كثيرين يراهنون على الظهور الموسمي عبر البرامج الغنائية ثم يغيبون حتى يحين رمضان التالي طه سليمان يتعامل بعقل استراتيجي واضح ويجعل من هذه البرامج مجرد محطات انتقال نحو مراحل جديدة وليست غاية نهائية لذلك تبدو خطواته محسوبة بدقة وليست قفزا في الظلام ورغم تباين الاراء حول تحركاته الاخيرة الا انه فنان يمتلك قدرة حقيقية على صناعة الحدث وفرض حضوره تاركا للاخرين مساحة التعليق وردة الفعل كما ان غيابه خلق حالة من الفراغ والجدل في ذات الوقت وهو ما يعكس حجم تأثيره في الساحة الفنية ومن زاوية اخرى فان برنامجا مثل اغاني واغاني اذا اراد استعادة بريقه القديم وجاذبيته الجماهيرية فربما يكون من المهم التفكير مبكرا في اعادة طه سليمان الى توليفة البرنامج القادمة لما يمثله من طاقة ادائية وحضور جماهيري قادر على ضخ الحيوية واعادة عنصر التشويق للنسخة الجديدة ومنحها فرصة اكبر للانتشار والتفاعل بين المتابعين.



