خواطر اليوم 12 كتب: سراج الدين مصطفى

خواطر اليوم 12
كتب: سراج الدين مصطفى
(١)
فى حلقة الامس من برنامج اغانى واغانى التى تناولت بعض اغنيات الهرم عثمان حسين شعرت بقدر من الاشفاق على الفنانة هدى عربي حينما قدمها مصعب الصاوي لتغنى اغنية قصتنا وهى من عيون الغناء السودانى وواحدة من اكثر الاغنيات امتلاء بالتفاصيل والمطبات الموسيقية التى تحتاج لقدرات خاصة وادوات مختلفة من بينها الاحساس العالى بالمفردة وفهم عميق لتركيبة اللحن وتدرجاته
هدى عربي كانت تعلم تماما انها ستكون فى موضع المقارنة مع فنان بقيمة وقامة عثمان حسين وهو امتحان صعب لا يحتمل المجازفة كما انها كانت تحتاج الى رؤية مختلفة وزاوية خاصة خصوصا انها اشتهرت بالبراعة والرشاقة فى اداء الاغنيات ذات الطابع اللحنى والايقاعى الخفيف
لكنها فاجأت الجميع واستطاعت ان تعبر الامتحان بتفوق واضح فقدمت الاغنية باحساس عالم وتناغم كبير مع النص واللحن واحترمت روح العمل دون ان تقع فى فخ التقليد كانت محتاجة لاغنية كبيرة تعلن من خلالها انها قادرة وانها ليست مجرد مغنية حفلات بل مغنية تستطيع ان تتصدى لاكبر الاغنيات وتخرج منها مرفوعة الرأس.
(٢)
أغنية تسابيح التى كتبها الشاعر الراحل محمد يوسف موسي ولحنها الموسيقار عبداللطيف خضر ودالحاوي كانت اخر ما صدح به صوت الأسطورة الراحل عثمان حسين عبر اثير الاذاعة في العام ١٩٨٩ بعدها اتخذ قراره الصعب وتوقف عن الغناء تماما حين شعر ان صوته لم يعد على ما كان عليه خاف ان يواصل فيحرق تاريخه الكبير وصورته الراسخة في وجدان الشعب السوداني فاختار الصمت احترام للتجربة والذات والجمهور
وذات الموقف النبيل فعله ملك التطريب محمد ميرغني حين ادرك ان لكل مرحلة جمالها ولكل صوت عمره فانسحب بهدوء تاركا خلفه ارثا نقيا لم تمسه المجاملة هؤلاء المبدعون كبروا في اعين الناس لانهم احترموا جمهورهم كما احترموا انفسهم فحفظ لهم الشعب مكانتهم ورفع شأنهم في ذاكرته الجمعية
غير ان فنانا مثل مصطفى السني لم يتعظ بتلك الدروس وواصل الغناء بمكابرة رغم ادراكه ان صوته لم يعد كما كان ولم يكن اصلا من اصحاب الاصوات الاستثنائية فكانت النتيجة كساد التجربة والانزواء بعيدا في اطراف ذاكرة التاريخ بلا اثر واضح ولا حضور راسخ في وجدان الناس..
(٣)
رغم انتمائي أثنيا لغرب السودان فان نشأتي في مدينة كوستي بوسط البلاد شكلت وجداني على نحو مختلف فهي مدينة ذات بيئة متشابكة ومتسامحة لا تعرف التعريفات القبلية الضيقة نعيش فيها في تمازج فريد وتصاهر مجتمعي يمكن البناء عليه في تخطيط سودان جديد يطرد مفاهيم القبيلة ويعلي قيمة الوطن لان كثيرا مما يحدث اليوم سببه النعرة والانتماء الضيق
هذا التكوين المتسامح جعلني اعشق فنان الطنبور الراحل صديق أحمد فقد تناولت اعماله الحب والحنين والوفاء وتغنى بالارض والانسان واحتفى بقيم الشهامة والصدق جاءت كلماته بسيطة قريبة من الناس وحمل صوته قوة واضحة مع مسحة شجن ميزت اداءه بين مجايليه واعتمد في الحانه على الايقاع الشمالي مع تنويعات تمنح الاغنية حيوية وتدفقا
شخصيا احفظ معظم اغنياته واطرب لاعمال مثل (عديلة عليك) و (الجزيرة بقت مخاضي) و (يا مرسالي شيل سلامي ودو) و (اجمل الحلوين) و (جروح قلبي) و (ريدك بدايات الفرح) وغيرها من روائعه ويكفيه فخرا انه كان يطرب العملاق محمد وردي فحين يطرب فنان بقامة وردي لفنان اخر فذلك يعني ان الجودة كاملة والحضور الصادق..
(٤)
في العام 2014 سافرت الى كسلا لحضور فعاليات مهرجان الثقافة والسياحة وتشرفت بمرافقة الشاعر الكبير اسحق الحلنقي والراحل الجميل سعدالدين ابراهيم ومختار دفع الله ومحمد نجيب محمد علي شاعر بتذكرك التي تغنى بها أحمد شاويش الى جانب مبدعين مثل شكرالله خلف الله وعبدالوهاب هلاوي ويس ابراهيم كنت محظوظا بمرافقة تلك الكوكبة لكن حظي الاكبر كان مشاركتي الغرفة مع الحلنقي عشرة ايام كاملة اقتربت فيها من عالمه بعيدا عن صخب النجومية
في لحظة حماسة قلت للاستاذ سعدالدين انني ارغب في حصر الفنانين الذين تغنوا بقصائد الحلنقي فابتسم وقال لي من الافضل ان تحصر الذين لم يتغنوا له كانت عبارته دليلا على كثافة حضوره فقد تمددت قصائده في معظم الحناجر واصبحت تبث بكثرة في برنامج ما يطلبه المستمعون الذي كان يتمتع بقاعدة شعبية واسعة
اكتشفت ان الحلنقي يعيش بقلب طفل انسان في غاية الرقة يحب محمد وردي بشغف خاص ويبتعد تماما عن السياسة مؤمنا بانه شاعر لكل الناس لذلك احتفظ بمودة صادقة في وجدان الشعب. السوداني.
(سراج الدين مصطفى)



