اخبار عامه

زاكر سعيد يكتب.. والي نهر النيل.. حكمة التجميد انتصار للتشريع لا هزيمة له

في زمنٍ استعجل فيه كثيرون القرار، وتسابقوا على فرض الرأي قبل سماع الرأي الآخر، وقف والي نهر النيل وقفة الرجل الذي يعرف أن هيبة الدولة لا تُبنى بالعجلة، بل تُبنى بالحكمة. فكان قراره بتجميد العمل بقانون الميناء البري الولائي لسنة 2024م، درساً بليغاً في فن الإدارة: متى يكون التراجع انتصاراً، ومتى يكون الإصغاء تشريعاً.

لم يجمد الوالي القانون هرباً من المسؤولية، ولم يوقفه استجابة لضغط الشارع. بل جمدّه إدراكاً منه أن “التداخلات” بين النص الولائي والقانون الاتحادي قد ولدت التباساً، والالتباس في قطاع النقل لا ينتج فوضى في التعرفة فحسب، بل يفتح ثغرة في جدار الأمن القومي.

*حكمة لا استسلام*
التجميد هنا ليس تعطيلاً، بل هو إعادة ضبط للبوصلة. فالوالي الذي يصدر أربعة خطابات في يومٍ واحد – بتجميد القانون، وإيقاف “الشحن الخارجي”، وتكليف الغرفة بالتنسيق، والدعوة للحوار المباشر – هو والٍ يفهم أن إدارة الولاية ليست معركة فرض، بل هي معركة توافق.

لقد أدرك أن القانون حين يصطدم بالواقع دون حوار، يتحول من أداة ضبط إلى سبب نزاع. فاختار أن يوقف العمل به مؤقتاً، حتى يُصاغ نصٌ موحدٌ يلتقي فيه المركز بالولاية، وتجتمع فيه مصلحة الدولة مع مصلحة المواطن وصاحب المركبة.

*الإصغاء شجاعة الرجال*
ما فعله والي نهر النيل شجاعة لا يملكها إلا من وثق بنفسه وبشعبه. فالكثيرون يخشون كلمة “تجميد” لأنهم يرونها ضعفاً. لكن الرجل أثبت أن القائد الحقي هو من يجرؤ على مراجعة قراره إذا تبين له أن في المراجعة حفظاً للمصلحة العامة.

لم يتكبر على صوت غرفة البصات السفرية، ولم يتهمها بتعطيل العمل. بل سمع منها أن “الشحن الخارجي” ثغرة أمنية، فاستجاب فوراً. لأن من يريد حماية الولاية لا يسأل: من قال؟ بل يسأل: ما الصواب؟

*تشريع موحد.. أمان موحد*
بهذا القرار، فتح الوالي الباب أمام صياغة تشريعٍ جديدٍ ينهي حالة الالتباس التي أربكت أصحاب البصات والمسافرين على حد سواء. تشريعٌ لا يلغي خصوصية الولاية، ولا يصادم القانون الاتحادي، بل يجمع بينهما في صيغةٍ واضحةٍ تطبيقية.

وهنا تكمن العظمة: أن تفهم أن وحدة القانون هي وحدة الوطن. فالبص الذي يتحرك من عطبرة إلى الخرطوم لا ينبغي أن يحكمه نصان متعارضان، بل قانونٌ واحدٌ يحفظ حقه وحق الراكب وحق الدولة.

*خاتمة: هكذا تُحرس الأوطان*
تحية لوالي نهر النيل.. فقد علمتنا أن قوة الحاكم لا في عدد القوانين التي يصدرها، بل في قدرته على تجميد ما يسبب الفوضى حتى يأتي الصواب.

لقد اخترت أن تكون حارساً للتشريع قبل أن تكون حارساً للكرسي. واخترت أن تبني بالحوار لا بالصدام. واخترت أن تسمع لغرفة البصات وهي تقول: نحن شركاء في “معركة الكرامة”.

فجزاك الله خيراً.. فقد أثبت أن في نهر النيل رجل دولة، وأن في عطبرة حاكماً يفهم أن أمن الطريق يبدأ من وضوح القانون.

أغاني أمثال سودانية

"أجمل الأمثال والأغاني السودانية" هي منصة إعلامية سودانية متخصصة، تجمع بين روائع التراث الشعبي من أمثال سودانية أصيلة، وأجمل الأغنيات التي شكّلت وجدان الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى